ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الإدارة العامّة في التجربة العربية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
الأخبار
الجمعة 14 شباط 2025
الخط

أهملت الدولة العربية، أكانت راديكالية أم تقليدية، بناء المقدرة الذاتية بـ«التعلّم التكنولوجي» للتصدّي لمهمات مواجهة إسرائيل والخروج من التخلّف. في تجربة بلدان شرق آسيا، مثّل اكتساب المقدرة التكنولوجية بواسطة «التعلّم التكنولوجي» نقطة الانطلاق لبناء المقدرة الذاتية. واقتضى الأمر فيها بناء إدارة عامة شديدة الفعالية وإيلاء التعليم والتعليم العالي مركز الصدارة في اهتماماتها وإعطاء الأولوية لإنتاج سلع تكنولوجية. تتناول هذه الدراسة، طبيعة الإدارة العامة وواقع التعليم العالي وغياب أي تجارب «تعلّم تكنولوجي» على امتداد العالم العربي. وقد جعل ذلك الخمسين عاماً المنصرمة حقبة من المراوحة في المكان على صعيدي التصدّي لإسرائيل وبناء القوة الذاتية. وقد نُشر منها 4 حلقات، تناولت: «الحروب العربية مع إسرائيل (1948-1982)» (29/ 8/ 2024) و«الطبيعة السياسية للدولة العربية» (17/ 9) و«غياب التعلّم التكنولوجي في تجربة التسلّح العربية» (13/ 10) و«التعليم والتعليم العالي في التجربة العربية» (4/ 12). هنا حلقة خامسة أخيرة تتناول طبيعة الإدارة الحكومية في التجربة العربية

ألبير داغر *
بماذا تتميّز الإدارة العامّة العربية، وما الذي يجعلها تختلف عن الإدارات العامة الأخرى، وخصوصاً تلك التي قامت في دول الغرب وأيضاً في الدول التنموية الآسيوية.
هنا استهلال بتعريف ما يسمّى الإدارة العامة «الفيبرية» الغربية. وهي تتمتّع بالاستقلالية (autonomy) وبالمقدرة الإدارية (capacity). يتلوه استعراض لواقع عدم استقلالية الإدارة الحكومية العربية وضعف مقدرتها الإدارية. وهناك أخيراً عرض لمواصفات الإدارة العامة القادرة على بناء المقدرة الذاتية للدولة العربية.

أولاً: استقلالية الإدارة العامّة الغربية وفعاليتها

لم يتحقّق النمو الاقتصادي في الغرب لأن الغربيين طبقوا مقولة آدم سميث الشهيرة: «دعه يعمل، دعه يمر». على العكس من ذلك، كان هذا النمو وليد تدخّلات على صعد مختلفة من قبل الدولة. وصف كارل بولانيي السياسات التي اعتمدت للدفع باقتصاد السوق إلى الأمام. وشرح ألكسندر غرشنكرون وألبرت أوتو هيرشمان كيف وقفت الدولة إلى جانب النخب الاستثمارية لتحقيق الاستثمار. وقدّم ماكس فيبير توصيفاً للإدارة الحكومية التي ارتكزت إليها هذه الدول لتحقيق نموها (إيفانز، 1995).
وصف فيبير هذه الإدارة بأنها قانونية وعقلانية (légale-rationnelle). أي إنها تلتزم في عملها اليومي بما نصّت عليه قوانين إنشائها. ولأنها كذلك، أمِن المستثمرون جانب الدولة واندفعوا للاستثمار.

وشرح فيبير أهمّ خاصيتين للإدارة القانونية والعقلانية وهما بناؤها على قاعدة الاستحقاق وتثبيت العاملين فيها. ووجد مبدأ الاستحقاق ترجمته في اشتراط حصول المتقدّمين للانتساب إلى الإدارة العامة على شهادات بعينها واجتيازهم لمباريات على المستوى الوطني. وأفسح تثبيتهم المجال أمامهم لتمضية عمر مهني بكامله داخل الإدارة، مع ما يترتب على ذلك من فرص للترقّي داخل الإدارة وامتيازات أخرى. ولقد تحوّلوا إلى خبراء لم يكن ممكناً أن يتحقّق النمو الرأسمالي من دون إسهامهم. وعزّز التثبيت الوظيفي قوة العاملين في الإدارة العامة تجاه الضغوط التي كان يمكن أن يتعرضوا لها، ومنَحهم حصانة ضد الرشوة.
ولقد درج الباحثون على تسمية الإدارة الحكومية التي تتمتع بهذه المواصفات بأنها إدارة «فيبرية». ونقلت كل دول العالم النموذج الفيبري الغربي هذا، على مستوى التشريعات المعتمدة على الأقل، وليس بالضرورة على مستوى الممارسة.

وانفردت دول شمال شرق آسيا، أي اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، بأنها كانت الأكثر تشدّداً في الالتزام بالمواصفات الفيبرية هذه في بناء إداراتها. وكانت المباريات التي تجريها لترفيع الإداريين الأكثر تشدّداً في العالم. بل لقد استحقت إداراتها وصفها بأنها تمثّل «فيبرية معزّزة» (reinforced veberianism). فهي إلى العنصرين الفيبريين المتمثلين بالاستحقاق والتثبيت الوظيفي، أضافت عنصر الضغط على الإدارة من خارجها لجعلها فائقة الفعالية. ومثّل الجيش أيام الجنرال بارك في كوريا وحزب الكيومنتانغ في تايوان، أداتي الضغط هاتين (إيفانز، 1992). بل إن الإدارة العامة الآسيوية كان عليها، على خلاف الإدارة الغربية، أن تخلق النخب الاستثمارية من لا شيء، وأن تعود بعد ذلك لتتواصل مع هذه النخب، مع البقاء محصّنة بالكامل تجاه محاولات الرشوة التي قد تصدر عن هؤلاء.

ولقد كان توافر شرطي استقلالية الإدارة العامة تجاه قوى الضغط ومقدرتها الإدارية، إن في التجربة الغربية أو في التجربة الشمال-شرق آسيوية، هما ما أعطى هذه الإدارة ألقها ومقدرتها على الدفع إلى الأمام بالنمو الاقتصادي.

ثانياً: الإدارة العامة العربية غير المستقلّة وغير القادرة

على النقيض ممّا ورد أعلاه، كان عدم استقلالية الإدارة العامّة العربية وضعف مقدرتها الإدارية، هما العنصران الجوهريان في تكوينها: الأوّل، بسبب تحويلها إلى ميدان لاقتناص الريوع من قبل النخبة. والثاني، لأنها لم تكن أكثر من أداة لتوزيع منافع وأعطيات للجمهور. والعنصران يوفران قاعدة اجتماعية لصاحب السلطة.

1. النقاش النظري

حين تصل فئة ما إلى الحكم أو تستولي عليه، يكون عليها أن تحقّق وحدتها تجاه الفئات المنافسة. هذا ما عبّر عنه مايكل مانّ بمفهوم «السلطة الاستبدادية» (despotic power). ويعكس عملية بناء النظام (regime building). وحين تطوّر هذه النخبة قدرات الدولة على اختراق المجتمع ووضع سياسات اقتصادية موضع التطبيق وتوفير خدمات إيجابية للمواطنين، وهو ما سمّاه مانّ «السلطة في ميدان البنى التحتية» (infrastructural power)، نكون أمام عملية «بناء للدولة» (state building) (هينبوش، 2024: 57).

أي إن بناء الدولة لا يتحقّق إلا حين تتوافر لها استقلالية القرار (autonomy)، والفعالية في تنفيذ القرارات الآيلة إلى توفير منافع عامة (capacity) (مانّ، 1984: 115). ومفهوم «السلطة في ميدان البنى التحتية» كما مفهوم المقدرة الإدارية، يعنيان الشيء ذاته.

ولمناقشة الاستقلالية في اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذه، انطلق ريموند هينبوش من إسهام مانّ لتمييز أربعة أصناف من الدول تصلح لوصف البلدان العربية (هينبوش، 2021(1): 3). وجاءت الدولة الفيبرية الحديثة كنموذج للاستقلالية في اتخاذ القرار والقدرة على إنفاذه. ثم جاءت الدولة النهّابة (predatory) التي امتلكت استقلالية في اتخاذ القرار وبقيت ضعيفة في إنفاذ القرارات التنموية. واقتصرت قدرتها على بناء أجهزة إدارية في المجال الأمني شديدة الفعالية. وجاءت الدولة الملكية كنموذج للاستقلالية في اتخاذ القرار، مقابل ضعف في اختراق المجتمع وإنفاذ القرارات.

يرى الباحثون أن الدول العربية تمتلك الإدارات الحكومية الأكبر في العالم كنسبة من مجموع العاملين ويقول جون واتربري إن هذه النسبة هي نحو الثلث بوجه عام

وجاءت في آخر المطاف الدولة الفاشلة التي لا تتمتّع باستقلالية في اتخاذ القرار ولا بإمكانية إنفاذ قراراتها.
وكان الباحثون في تيار المؤسساتية المقارنة أول من تناول موضوعي استقلالية الإدارة العامة ومقدرتها الإدارية. ورأت الباحثة تيدا سكوكبول أن توافر هذين الشرطين، مضافاً إليهما شكل العلاقة مع النظام الدولي، هي ما يجعل الدولة فعّالة في تحقيق النمو. وأسهمت في النقاش الطويل حول استقلالية الدولة بمعنى قدرتها على اتخاذ قرارات قد تتعارض مع مصالح القوى النافذة ومجموعات الضغط. وقد خاض فيه الباحثون الماركسيون في التنمية تحت عنوان «الاستقلالية النسبية للدولة». وعرضت تجارب دول عدّة مورِست فيها هذه الاستقلالية ضمن نظم انقلابية أو ضمن أطر دستورية (داغر، 2022: 28-30).

وأسهم بيتر إيفانز في إظهار هذه الاستقلالية للدولة في التجربة الآسيوية كما عبّرت عنها تجارب دول ثلاث هي اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. وأفضل مثال على ذلك، لجوء الدولة في تايوان إلى خفض الحماية الجمركية بطريقة فجائية عن قطاعات إنتاجية بعينها. وذلك لكي تفهم هذه الأخيرة أن الدولة تدعمها لكنها جاهزة لتعريضها لصدمة منافسة وجعلها تُفلس إذا تباطأت في حيازة المقدرة التنافسية الدولية (إيفانز، 1992: 158-163).

واعتمد الباحث نيكولاس فان دو وال أدبيّات تيار المؤسساتية المقارنة، مستخدماً عنصري الاستقلالية والمقدرة الإدارية، لتفسير عجز دولة الزبائنية السياسية الأفريقية عن التقدّم وللحكم سلباً على فعاليتها التنموية. وعزا الباحث انعدام المقدرة الإدارية لدى هذه الدولة إلى حشو إداراتها في مطلع الاستقلال بـ«هواة» في مجال الإدارة. وتبع ذلك إصرار على إبقاء هذه الإدارات غير ذات منفعة بإفراغها من الكفاءات عبر برامج التصحيح الهيكلي ونزولاً عند إملاءات البنك الدولي (فان دو والّ، 2001).

2. عدم استقلالية الإدارة العربية

بعض المعطيات

ويرى الباحثون أن الدول العربية تمتلك الإدارات الحكومية الأكبر في العالم كنسبة من مجموع العاملين. ويقول جون واتربري إن هذه النسبة هي نحو الثلث بوجه عام (واتربري، 2020: 39). وهي لا تنخفض أبداً عن 20 % كما في سوريا ولبنان، وترتفع إلى 25% في مصر و30% في العراق و38% في السعودية و40% في الأردن (أسعد وبرسوم، 2019: 2). وترتفع هذه الحصّة بشكل إضافي في دول الخليج الغنية. ويستوعب القطاع العام 87% من المواطنين في قطر و86% منهم في الكويت و72% منهم في السعودية (أسعد وبرسوم: 2).

وتبدو أرقام العاملين في القطاع العام مثار دهشة المراقبين من خارج العالم العربي. وكان تعداد العاملين في الإدارة العامة في مصر يساوي خمسة ملايين شخص عام 1999 (حندوسة والعُربي، 2004: 5). وأصبح العدد في الحقبة الأولى بعد 2011 يساوي 6.3 ملايين شخص (أسعد وبرسوم: 4). وصرّح رئيس الوزراء في سوريا عام 2013 أن عدد من يتقاضون مرتبات من الحكومة كان يساوي 2.5 مليون شخص في ذلك العام (مقابلة، 2013).

وشهد العالم العربي تراجعاً متلاحقاً للقدرة الشرائية لأجور المنتسبين إلى القطاع العام بدءاً من الثمانينيات. وكانت الدولة تعمد في مناسبات شتّى لخفض مرتبات هؤلاء. وانخفضت أجور موظفي القطاع العام في مصر على سبيل المثال بنسبة 60% بين 1981 و1986 (أسعد، 1995: 8). ولو استثنينا دول الخليج العربي، لأمكن القول إن مرتّبات العاملين في الإدارة في عموم الدول العربية لا تكفي لتوفير حياة لائقة لهم، وإنها تمثّل في الأكثر دخلاً يجب زيادته بالعمل خارج الإدارة.

الإدارة في خدمة «رأسمالية الأصحاب»

يمكن وضع التجربة الاقتصادية العربية المعاصرة برمّتها تحت عنوان «النشاطات التي تؤول إلى تحصيل ريوع» (rent seeking). وتسمى ريوعاً كل المداخيل التي تتأتى من ملكية الأرض أو باطن الأرض، أي المناجم، أو من الموقع الجغرافي، أو من تدخّل الدولة بتشريعاتها لإنشاء احتكارات أو توفير حماية جمركية، بما يسمح للمؤسسات المستفيدة من هذه التشريعات أن ترفع أسعارها بما يتجاوز أسعار السوق الحرّة (خان، 2000).

وقد انتقد الاقتصاديون الكلاسيكيون الريع العقاري المتولّد من إيجار الأرض للمستثمرين لأن ارتفاعه يكون على حساب الربح ويؤدي إلى توقف الاستثمار. وانتقد كينز الريع المالي، أي الفوائد، لأن ارتفاعها يؤدّي هو الآخر إلى توقف الاستثمار المنتج. وانتقد النيو-كلاسيكيون تدخّلات الدولة بواسطة تشريعاتها التي تؤدي إلى خلق ريوع. ودعوا إلى إزالة الإدارات الحكومية التي تتولّى إنشاء هذه الريوع. وهو ما يجعل المستثمرين يتوقّفون عن «التقاتل» من أجل حيازة الريوع ويخصصون جهدهم لتطوير فعاليتهم الإنتاجية. أي إن القاسم المشترك بين كل هذه المدارس هو الموقف السلبي من الريوع لأنها ضد الفعالية الاقتصادية وضد الاقتصاد المنتج. وعلى نقيض كل هذه المواقف، أنشأت التجربة الآسيوية «ريوعاً لتمويل التعلّم التكنولوجي» (learning rents) وضعتها بتصرّف المؤسسات الإنتاجية للإنفاق على ابتكاراتها وحيازة المقدرة التنافسية (داغر، 2022: 114-115).

وتميّزت التجربة الاقتصادية العربية منذ رفع أسعار البترول عام 1973 بأنها اعتمدت على الريع البترولي كمصدر دخل رئيسي وركّزت على تطوير الاستثمار في النشاطات التي تنتج ريوعاً وإصدار تشريعات تعطي تسهيلات للباحثين عن ريوع. وأهملت عن سابق تصوّر وتصميم تطوير القطاعات الإنتاجية التي تنتج سلعاً تكنولوجية يمكن الذهاب بها إلى الأسواق الدولية. واختصر الباحثون شانغ وسعيد وصقر كل هذا النقاش بإظهار التناقض بين ما يحصل في مصر وكل الدول العربية من تركيز على تحقيق مداخيل ريعية، وما يقتضيه «التعلّم التكنولوجي» من «خلق ريوع» تستفيد منها المؤسسات الإنتاجية لتحقيق هذا الهدف (شانغ وآخرون، 1997: 222).

وقد بات تعبير «رأسمالية الأصحاب» (crony capitalism) الأكثر رواجاً خلال العقود الأخيرة للدلالة على حالة حيث تسخّر دولة الزبائنية السياسية العربية مواردها وقدرتها على التشريع لتوفير منافع لفئة من المقاولين ورجال الأعمال، مقابل ولاء هؤلاء للنظام القائم ودعمهم المطلق له. وقدّم الباحثون ديوان ومالك وعطية دراسة قيمة أظهرت أن «رأسمالية الأصحاب» باتت تصلح لتوصيف كل التجربة العربية (ديوان وآخرون، 2019).

وعمدت الدولة لتوفير امتيازات لهؤلاء الموالين لها وحجبها عن الآخرين. وكان المستفيدون من الامتيازات ينتمون إلى قطاعات إنتاج السلع والخدمات غير المعدّة للتبادل الدولي (non-tradables) (المصدر نفسه: 11). أي في الاتصالات والمصارف والقطاع العقاري والسياحة وتجارة الجملة والمفرّق. وهم موجودون بشكل أكثر كثافة في القطاعات التي تقدّم الدولة فيها دعماً للاستهلاك الجماهيري، خصوصاً قطاعي الطاقة والمواد الغذائية (المصدر نفسه: 15). وكان القاسم المشترك للقطاعات التي احتلّها الموالون للدولة هو استفادتها من تشريعات استثنائية توفر حماية دائمة للمستثمرين فيها. وحين اضطرت الدولة إلى توقيع اتفاقيات تحرير للتبادل مع بقية العالم، كما كان الأمر في اتفاقيات الشراكة مع أوروبا، جرى استبدال الحماية بالرسوم الجمركية التي أُزيلت، بتشريعات منع للتبادل من غير فئة الرسوم (المصدر نفسه: 20).

ويفسّر وضع الدولة إداراتها في خدمة هذه الفئة من المقاولين وحجب هذه الامتيازات في الوقت عينه عن الآخرين، ضعف الاستثمار بشكل عام، وعدم وجود استثمارات في قطاعات السلع التكنولوجية القابلة للتبادل الدولي، وعدم وجود مؤسسات إنتاجية عربية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية. ولقد كانت ثلاثة أرباع المؤسسات الإنتاجية الكبرى في كوريا الجنوبية التي استفادت من دعم الدولة لها، تنشط في قطاعات السلع المعدّة للتصدير، وتحقّق أرباحها من قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية (المصدر نفسه: 41).

ويرى الباحثون أن تسخير مقدرات الدولة لمصلحة هذه الفئة من المقاولين ورجال الأعمال، رفع درجة السخط في أوساط الرأي العام وكان وراء انفجار الأوضاع تحت مسمّى «الربيع العربي».

3. ضعف المقدرة الإدارية

في الأساس لم يكن بناء إدارة فعّالة هو ما أملى على زعماء الدول العربية قراراتهم في شأن كيفية التنسيب إلى الإدارة. كان همّ هؤلاء اكتساب الشرعية (legitimation) وبناء قاعدة اجتماعية تؤمّن ديمومة النظام الذي بنوه. وقد تضخّمت هذه الأخيرة مع الوقت وصولاً إلى ما باتت عليه قبل 2011.

ولم تقطع البلدان العربية في أي وقت مع الممارسة العثمانية التي كان عنوانها المحسوبية (patronage). وتقوم على توفير وظائف في الإدارة العامة لشراء الولاءات. وكان هناك نموذجان لـ«التحديث بهدف الدفاع عن النفس» خلال القرن التاسع عشر. مثّلت اليابان النموذج الأول حيث المباريات الوطنية والاستحقاق هما الباب الوحيد لولوج الإدارة العامة. وأعطى ذلك إدارة شديدة الفعالية. واستمرّت السلطنة العثمانية تُغدق وظائف لا طائل منها لشراء ولاءات أصحابها. وأعطى ذلك إدارة عامة مترهّلة لا تفيد في شيء.
وفي ما بعد، جاء اعتماد المحسوبية، بمعنى توزيع أعطيات على الجمهور الواسع، كأحد عناصر «العقد الاجتماعي الشعبوي» الذي اعتمدته الأنظمة العربية في علاقتها مع جمهورها. وكان فتح باب التوظيف في القطاع العام على مصراعيه أحد أهمّ عناصر هذا العقد الاجتماعي (هينبوش، 2021 (2): 4).

وعلى مدى عقود طويلة اعتُمدت في مصر مقاربة لبناء الإدارة العامة نقلتها دول عربية أخرى. وتتلخّص بإعطاء الخريجين الحق بالحصول على عمل في إدارات القطاع العام بعد تخرّجهم. وهي ممارسة بررتها تعبئة الملاكات في مصر بعد تأميم قناة السويس وهجرة الشركات الأجنبية، وجرى لاحقاً التخلّي عنها. ولو أخذنا في الحسبان أن غالبية المستفيدين من التوظيف في القطاع العام كانوا من حملة الشهادة الثانوية الفنية كما كان الأمر في مصر، لتبيّن أن الإدارة العامة أُنشئت في الغالب الأعمّ لتوزيع تنفيعات وأن لا فائدة منها في التنمية.

إنّ الإدارة العامة التي تستطيع بناء المقدرة الذاتية للدولة العربية، هي التي تعتمد الاستحقاق في التعيينات وتوفّر الأمان الوظيفي للعاملين فيها وتتنكّب لتحقيق «التعلّم التكنولوجي»

وقد بُنيت الأجهزة الأساسية لغالبية الأنظمة العربية على قاعدة «العصبية الخلدونية» (هينبوش، 2024: 59). وعلى سبيل المثال، استخدم النظامان البعثيان «العصبية المذهبية» في سوريا بعد 1963 وفي العراق بعد 1968 لبناء النظام. ولمس السوريون توسّع التعيينات المذهبية في سوريا بعد 2011 لتشمل ليس فقط الأجهزة الأمنية والجيش، بل أيضاً الإدارات المدنية الأخرى (رصاص، 2024).

وكان دور الأجهزة الأمنية هو العنصر المحدّد في تكوين الإدارة العامة السورية على مدى أكثر من خمسة عقود. وقال عسكريون سابقون إن تعيينَ مطلقَ فردٍ في أي موقع من الإدارة العامة السورية من رتبة وزير إلى أدنى موقع في الهرم الإداري كان شرطه حصول صاحب العلاقة على تزكية من أجهزة المخابرات (الحريري، 2023).
وتمتلئ البرامج التلفزيونية التي تستضيف مسؤولين سابقين في العالم العربي بشهادات من قبل هؤلاء عن كيفية عزلهم من مناصبهم ونقلهم إلى مواقع أخرى أقل حساسية أو إلى التقاعد بقرار يتخذه صاحب السلطة أو أحد أعوانه. وهم كانوا يجدون أنفسهم مجرّدين من أي سلطة كانوا يمارسونها بين ليلة وضحاها من دون أن تكون لهم أي إمكانية للمراجعة في قرار عزلهم.

وما حصل بعد 2011 هو اللجوء على نحو أكثر كثافة إلى التعيينات التي لا تأخذ في الحسبان كفاءة المنتسبين، وتركّز أكثر من السابق على انتماءاتهم المذهبية (هينبوش، 2024: 80).
ولو جمعنا العناصر الواردة أعلاه، بدءاً من كون غالبية المواقع الإدارية لا حاجة إليها، وعزوف العاملين في الإدارة عن المبادرة لكي يتجنّبوا إثارة امتعاض أصحاب السلطة، واللجوء أكثر فأكثر إلى التعيينات التي تؤمّن ولاءات وينتفي منها عنصر الاستحقاق، لتبيّن أن الإدارة العامة العربية هي من أضعف الإدارات لجهة مقدرتها الإدارية.

ثالثاً: إصلاح الإدارة العامة العربية

إنّ الإدارة العامة التي تستطيع بناء المقدرة الذاتية للدولة العربية، هي التي تعتمد الاستحقاق في التعيينات (meritocratic recruitment) وتوفّر الأمان الوظيفي للعاملين فيها (internal promotion) وتتنكّب لتحقيق «التعلّم التكنولوجي» العربي.

وقد رأت الباحثة إيفا بلّان أن غياب المأسسة (institutionalization) للإدارة العامة العربية، بمعنى عدم امتلاكها للمواصفات الفيبرية التي تميّز الإدارة العامة الحديثة في الدولة الغربية، هو المشكلة التي تمنع هذه البلدان من التقدّم. أي إن التغيير لا يكون كافياً بمجرّد إسقاط الأجهزة الأمنية التي تتولى القمع وكفّ يدها (بلاّن، 2005: 34)، وينبغي أن تتبع ذلك إعادة صوغ الإدارة العامة وفقاً للنموذج الفيبري.

1. مسألة الاستحقاق

وتأكّد الباحثان بيتر إيفانز وجيمس روش عبر استقصاء شارك فيه خبراء وأكاديميون من 35 دولة متوسطة النمو، أن المواصفات الفيبرية للإدارة هي ما يُحدِث فرقاً، وأنها هي المحدّد للنمو الاقتصادي (إيفانز وروش، 1999). وجاء التنسيب على قاعدة الاستحقاق في مقدمة العناصر التي تجعل الإدارة العامة فعّالة. وتقدّم هذا العنصر في أهميته على العنصرين الإضافيين اللذين طالهما الاستقصاء، وهما الأمان الوظيفي والأجور المناسبة.

2. مسألة الأمان الوظيفي

ميّز الباحث بن روس شنايدر بين نوعين من الإدارات الحكومية. تلك التي يتم تنسيب أفرادها بالتعيينات (appointive bureaucracy). وهي بالضرورة تعيينات تستند أولاً إلى ولاءات أصحاب العلاقة وليس كفاءتهم. والتعيينات عبر المباريات الوطنية. وأحال الباحث ضعف الإدارات العامة في أميركا اللاتينية وفشلها في قيادة مهمة التصنيع المتأخّر إلى كون أفرادها يتم تنسيبهم بالتعيينات. وذلك بمعنى تغيير الجهاز الإداري برمته مع انتهاء ولاية كل رئيس واعتماد الرئيس المنتخب جهازاً جديداً. في حين أن الفعالية التنموية في شرق آسيا كان سببها تنسيب الموظفين بالمباريات الوطنية والترقّي داخل الإدارة (شنايدر، 1999: 293).

ولقد كانت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو «الثلاثون المظفّرة»، هي حقبة تطوير للتشريعات الملائمة المتعلّقة بالتنسيب إلى الإدارة العامة. وجرى إصدار قوانين الموظفين التي تحدّد كيفية تنسيب هؤلاء وترقيهم الوظيفي. ورغم أن الحقبة النيو-ليبرالية عملت على ضرب هذه التجربة واقتلاعها لمصلحة التنسيب بالتعيينات، فإن الإدارة العامة الغربية حافظت على مكتسبات الحقبة السابقة وفي الوقت عينه على فعالية الإدارة (درايفوس، 2000).

3. الأجور المناسبة

وقد تحوّلت الإدارة العامة في لبنان خلال العقود الثلاثة التي تلت الحرب الأهلية إلى «ميدان للممارسات الإجرامية» (criminalisation de l’Etat). وأعطى ذلك إثباتاً بأن حرمان موظفي القطاع العام من أجور مناسبة بالحد الأدنى يحوّلهم جميعاً إلى مرتشين (داغر، 2021).

4. التعلّم التكنولوجي

وتعطي تجربة الإدارة العامة اللبنانية أيام الرئيس شهاب نموذجاً لإدارة تمت حمايتها من تدخّلات السياسيين (داغر، 2020). وهي بالتالي كانت مثالية في الالتزام بالقواعد التي تحكم تكوين الإدارة العامة الغربية لجهة دور الامتحانات الوطنية في تنسيب الموظفين وتوفير الأمان الوظيفي للعاملين فيها. لكنها لم تكن ذات فعالية تنموية لأنه لم تُحدّد لها أهداف لجهة دعم وتشجيع النخب الاستثمارية. وهي بقيت إدارة «معنية بالتحقّق من الالتزام بالقانون» (regulatory)، في حين أن الإدارة العامة الآسيوية تحوّلت إلى إدارة ذات أهداف تنموية (constructive) (بيك، 2003؛ داغر، 2023). وأظهرت حقبة ما بعد 7 تشرين الأول 2023 بما لا يترك مجالاً للشك، أن مشكلة العرب الكبرى هي في انكشافهم التكنولوجي وعدم قدرتهم على الدفاع عن كياناتهم وشعوبهم أمام العدوان الخارجي. ولا يمكن ردم الفجوة التكنولوجية بين العرب وبين بقيّة العالم إلا بـ«التعلّم التكنولوجي». وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بإصلاح الإدارة العامة وأن تُسند إليها مهمّة إطلاق «التعلّم التكنولوجي» العربي.
* أستاذ جامعي

مراجع:
Assaad Ragui & Ghada Barsoum, “Public Employment in the Middle East and North Africa”, IZA World of Labor, August, 2019.
Assaad Ragui, “The Effects of Public Sector Hiring and Compensation Policies on the Egyptian Labor Market”, University of Minnesotta, background document for the 1995 World Development Report, 24 pages.
Bellin Eva,“Coercive Institutions and Coercive Leaders”, in Marsha Pripstein Posusney and Michele Penner Angrist (eds.), Authoritarianism in the Middle East, Boulder, Colo.: Lynne Rienner, 2005, pp. 21–42.
Chang Ha-Joon, Said Mona, Sakr Khaled, “Industrial Policy and the Role of the State in Egypt: The Relevance of the East Asian Experience”, in Handoussa H. (ed.), Economic Transition in the Middle East: Global Challenges and Adjustment Strategies, Cairo: American University of Cairo Press, 1997.
Diwan Ishac, Adeel Malik, Izak Atiyas (eds.), Crony Capitalism in the Middle East: Business and Politics from Liberalization to the Arab Spring, Oxford and New York: Oxford University Press, 2019.
Dreyfus Françoise, L›invention de la bureaucratie : Servir l›Etat en France, en Grande Bretagne et aux Etats Unis (18ème-20ème siècle), Paris: Editions-La Découverte, 2000, 290 pages.
Evans Peter, «A comparative Institutional Approach», in P. Evans, Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation, Princeton Univ. Press, 1995, pp. 21-42.
Evans Peter, «The State as a Problem and Solution: Predation, Embedded Autonomy and structural Change», in S. Haggard, R. Kaufman (eds.), The Politics of Economic Adjustment, Princeton univ. press, 1992.
Evans Peter, James Rauch, “Bureaucracy and Growth: A Cross-National Analysis of the Effects of “Weberian” State Structures on Economic Growth”, American Sociological Review, Volume 64, Issue 5, 1999.
Evans Peter, Rauch James, “Bureaucratic Structure and Bureaucratic Performance in Less Developed Countries”, Journal of Public Economics, 1999.
Handoussa Heba & Nivine El Oraby, “Civil Service Wages and Reform: the Case of Egypt”, ECES, Working Paper , No. 98, 2004.
Hinnebusch Raymond, “Statehood in the Middle East and North Africa: Approaches from Historical Sociology”, CERI, 10/2021, 10 pages, part 2 (1).
Hinnebusch Raymond, “Understanding State Weakness in the Middle East and North Africa”, in Steven Heydemann and Marc Lynch, eds, Making Sense of the Arab State, University of Michigan Press-Ann Arbor, 2024.
Hinnebusch Raymond,“The rise and decline of the populist social contract in the Arab world”, World Development, vol 129, 2021 (2).
Khan Mushtaq, “Introduction”, in Khan Mushtaq, and Jomo Kwame Sundaram (eds.) Rents, Rent-Seeking, and Economic Development. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2000, pp. 1-24.
Mann Michael, “The Autonomous Power of the State: Its Origins, Mechanisms and Results”, in Archives Européennes de Sociologie, Vol. 25, 1984, pp. 109 – 136.
Paik Wanki, “The Korean System of Bureaucracy”, in Tummala K., (ed.), Comparative Bureaucratic Systems, Lexington Books, 2003, pp. 186-204.
Schneider Ben Ross, “The Desorrallista State in Brazil and Mexico”, in M.W. Cumings (ed.), The Developmental State, Cornell univ. press, 1999.
Van de Walle Nicolas, African economies and the politics of permanent crisis, 1979-1999, Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
Waterbury John, Missions Impossible: Higher Education and Policymaking in the Arab World, New York: The American University in Cairo Press, 2020, 409 pages.

ألبير داغر، «الإدارة العامة في لبنان قبل عام 1990»، «الأخبار»، 23 / 7 / 2020.
ألبير داغر، «دولة الزبائنية السياسية النهّابة: نموذج لبنان»، «الأخبار»– ملحق رأس المال، 19 و 26 / 4 / 2021.
ألبير داغر، الإدارة العامة في لبنان، (بيروت: دار منتدى المعارف، 2023)، صفحة 124.
ألبير داغر، «تيارات فكرية معاصرة من أجل التنمية العربية»، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022، صفحة 138.
العميد منير الحريري - ندوة «المخابرات السورية... تاريخ مملكة الرعب»، تلفزيون سوريا- منتدى دمشق، 25/ 6/ 2023.
محمد سيد رصاص، «الطائفية عند النظام السوري السابق»، «الأخبار»، 28/ 12/ 2024.
مقابلة تلفزيونية مع رئيس الوزراء السوري، وائل الحلقي، 7/ 12/ 2013.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك